الدمازين …. لمن لم يعشقها بعد… الحرب … لمن لم تدركه بعد

كان طريقاً طويلاً ، مرهقاً وجميلاً ، الخضرة علي كلا الجانبين ، وجبال الانقسنا تلوح من البعيد ضبابية وغامضة ،

زرت هذه المدينة وانا في الخامسة من عمري برفقة والدي في زيارة عمل ، وقد استقر بنا المقام في بيت الضيافة ، كان منزلاً من طراز الستينات (قطعاً لم ادرك تلك اللحظة هذا التصنيف ولكن البناء والاثاث كان مختلفاً جداً عن منزلنا) التلفاز يفتح كما خزانة الملابس ، الاسرة تكون غير موجودة وبضغطة زر ينفتح الحائط ويخرج من سرير وثير ، وكأنما السحر ، منذ حينها وقد تعلق قلبي بهذه الارض البعيدة.

كم هي جميلة ومخضرة، ليست الارض ؛ انما المدينة أرضاً وشعباً ،

كنا نستيقظ صباحاً لنجد كثيراً من الاطعمة ، والشاي والقهوة أمام غرفتنا ، رغم بساطة أهلها الذين قد تبدو عليهم ملامح الفقر ؛ ولكنهم ليسوا فقراء ، وقبيل الغروب نتنزه في شوارع المدينة الخضراء ، نرتوي بابتساماتها ،

شآت الاقدار أن أزور هذه الجنة مرة أخرى بعد سبعة عشرة عاماً ، أثار حرب سابقة ووجوه لا تزال خضراء ، حاولت جاهدة أن ادرك ما خلفته الحرب على هذه الوجوه ، وما أدركته هو احتفاؤها بالسلام ،

اليوم وبعد عقدين من العشق لهذه المدينة ، تحترق من جديد.

ترى ما مصير تلك الوجوه البريئة الان !!

تعود بي الذاكرة لشهور مضت ، حين احترقت كادوقلي وبسمة تروي بدمعها عن أهلها المفقودين ، وقريتها التي لم يبق فيها أحد

ما أثار شجوني اليوم هو ارتباطي العميق بالدمازين،

ما يؤلمني كم من المدن تحترق ولا أحد يبالي حقاً ،

لنتوقف قليلاً و ندرك ما قد يصيبنا وأحباءنا لو كنا في ساحة حرب..

فليرحمكم الله يا اهل بلادي.

سلامٌ عليكم

Advertisements